عبد القادر الجيلاني

42

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

فطهارة معرفة الصّفات : لا تحصل إلّا بالتّلقين ، وتصفية مرآة القلب بالأسماء من النّفوس البشريّة والحيوانيّة ؛ فيصفو القلب ، ويحصل له النّظر بعين القلب من نور اللّه ، لينظر بنور الصّفات إلى عكس جمال اللّه تعالى في مرآة القلب كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المؤمن ينظر بنور اللّه » « 1 » و « المؤمن مرآة المؤمن » « 2 » وقيل : « العالم ينقش والعارف يصقل » . وإذا تمتّ التّصفية بملازمة الأسماء ، حصلت معرفة الصّفات بمشاهدتها في مرآة القلب . وأمّا طهارة معرفة الذّات في السّرّ : فلا تحصل إلّا بملازمة أسماء التّوحيد الثّلاثة الأخيرة من الأسماء الاثني عشر في عين السّرّ بنور التّوحيد . فإذا تجلّت أنوار الذّات ذابت وفنيت بالكليّة ، فهذا مقام الاستهلاك ، وفناء الفناء ، وهذا التّجلّي يمحو جميع الأنوار كما قال اللّه تعالى : . . . كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ . . . [ القصص : الآية 88 ] فبقي الرّوح القدسيّ بنور القدس ناظرا إليه ، ناظرا به منه معه ، فيدلّه بلا كيفيّة ولا تشبيه ؛ لأنّ اللّه تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشّورى : الآية 11 ] ، فبقي النّور المطلق محضا ، ولا يمكن الإخبار عما وراء ذلك ؛ لأنّه عالم المحو ، فلا يبقى ثمّة عقل يخبر عنه ولا تحوم ثمّة غير اللّه تعالى كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لي مع اللّه وقت لا يسع فيه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل » « 3 » . فهذا عالم التّجريد من غير اللّه تعالى كما قال اللّه تعالى في الحديث القدسيّ : « تجرّد تصل » « 4 » والمراد من التّجرد : فناء الكلّ من صفات البشريّة ، فيبقى في عالمه متّصفا بصفة اللّه تعالى كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « تخلّقوا بأخلاق اللّه » « 5 » يعني اتصفوا بصفات اللّه تعالى .

--> ( 1 ) هو حديث الفراسة رواه الترمذي ( 3127 ) وهو مختلف في الحكم عليه سندا ، وقد صحّ عن السادة الصوفية كشفا . ( 2 ) تقدّم تخريجه . ( 3 ) رواه ابن حبان ( 5 / 279 ) ، والحاكم في المستدرك ( 2 / 448 ) والشافعي في مسنده ( ص 71 ) ، وابن ماجة ( 1 / 344 ) . ( 4 ) لم أقف عليه . ( 5 ) انظر : الجامع الصغير للسيوطي ( 1 / 217 ، 220 ) .